16‏/01‏/2012

في التعليق على النزاعات القانونية المتعلقة بقرار مجلس الهيئة الوطنية للمحامين القاضي

بانتخاب الأستاذ شوقي الطبيب عميدا للمحامين .

بقلم كل من : الأستاذ فوزي جاب الله و الأستاذ ذاكر العلوي

تعددت الأوجه التي تم من خلالها النظر إلى الإشكال الواقع داخل المحاماة التونسية منذ انتخاب الأستاذ شوقي الطبيب عميدا للمحامين لسد الشغور الناتج عن تولي العميد عبد الرزاق كيلاني حقيبة وزارية ، إلا أن كل تناول للإشكال لا يمكنه إغفال البعد القانوني الصرف للنزاع الناشئ عن صياغة النصوص المنظمة لانتخاب العميد عامة و لانتخابات سد الشغور خاصة .

و حيث أن تدخل أكثر من جهة ( مجلس العمداء – المجلس العلمي و لجنة صياغة القانون ) لإصدار بيانات تحدد مواقفها ( وهي متضاربة ) من قراءة النص و تأويله لا تزيد إلا تدعيم الرأي القائل أن جوهر الإشكال قانوني و أن أبعاد الخلاف الأخرى شخصية كانت أو سياسية هي مرتبطة بالفصل في الزاوية القانونية للنزاع.

و حيث مساهمة في تطوير النقاش القانوني لا غير ، نقدم هذا التعليق على النزاع الأصلي المتعلق بشرعية القرار الانتخابي و النزاع الفرعي المتعلق بإيقاف التنفيذ المرفوعين أمام محكمة الاستئناف بتونس .

I - في عدم اختصاص الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بالنظر في إيقاف التنفيذ لغياب الأساس القانوني لذلك:

حيث خلت دعوى وقف التنفيذ من كل أساس قانوني يمكن الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف من التصدي لتوقيف تنفيذ القرار المطعون فيه استئنافيا و المعين لجلسة 09-02-2012 ، فكان السند المعتمد في العريضة سندا واقعيا إذ علق الأمر "بالنظام العام اعتبارا إلى مبدأ علوية القانون وحماية مصالح القطاع" وهو ما لا يستقيم قانونا ، فالاختصاص الحكمي لا يؤسس على الرغبة في حماية علوية القانون بل لا بد من نص واضح يمنح دائرة قضائية ما الاختصاص للنظر في صنف معين من الدعاوى وهو ما يغيب في دعوى الحال من جهتين : باعتبارها متعلقة بإيقاف تنفيذ قرار من قرارات الهيئة الوطنية للمحامين بشكل عام و باعتبارها متعلقة بإيقاف تنفيذ قرار يصنف من القرارات الانتخابية بشكل خاص .

1 – في عدم إمكانية طلب إيقاف تنفيذ قرارات مجلس الهيئة الوطنية للمحامين منذ صدور المرسوم عــ79ــدد :

حيث لا وجود لأساس قانوني يمكن الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف من النظر في توقيف تنفيذ قرارات مجلس الهيئة الوطنية للمحامين لا في مجلة المرافعات المدنية و التجارية و لا في المرسوم عـ79ــدد لسنة 2011 ، بل أكثر من ذلك فقد ألغى المرسوم عــ79ـدد كل إمكانية لتوقيف تنفيذ القرارات الصادرة عن مجلس هياكل المحاماة كما كانت واردة بالفص74 قديم الذي كان يسند للرئيس الأول لمحكمة الاستئناف الاختصاص في إيقاف تنفيذ بعض القرارات التأديبية المكسوة بالنفاذ العاجل فقط لا غير .

وحيث لا وجود لأي نص أو قانون يمنح اختصاصا للرئيس الأول لإيقاف تنفيذ أي قرار ولو في المادة التأديبية ولو كان محلى بالنفاذ العاجل .

و حيث أن الاختصاص الحكمي متعلق بالنظام العام تثيره المحكمة من تلقاء نفسها .

2 – في عدم قابلية القرارات الانتخابية المتعلقة بالهيئة الوطنية للمحامين لإيقاف التنفيذ من حيث طبيعتها :

حيث أن التدقيق في نظام إيقاف التنفيذ المرتبط بالقرارات الصادرة عن الهيئة الوطنية للمحامين يستلزم عرض تصنيف قرارات الهيئة وهي تنقسم حسب الفقه التونسي[1] إلى ثلاثة أصناف تشترك فيها مع القرارات الصادرة عن بقية الهيئات المهنية : قرارات تأديبية و قرارات إدارية و قرارات انتخابية مع صنفين من القرارات التي تتميز بهما الهيئة الوطنية للمحامين هما قرارات التسعيرة و قرارات صندوق التقاعد و الحيطة للمحامين .

و حيث يرى الفقه فيما يخص موضوع قضية الحال أن الأثر التعليقي للاستئناف غير ذي موضوع في خصوص القرارات الانتخابية لأن "المسألة تتعلق بتركيب الهياكل الإدارية للهيئات و لا يستساغ أن يعلق الطعن بالاستئناف وجود هذه الهياكل و تبقى الهيئات بدون مسيرين " [2] .

و حيث تبنى المشرع أيضا هذا الموقف باعتباره قد اقتصر ، عند التعرض للمفعول التعليقي للاستئناف ،على المقررات التأديبية لا غير ذلك أنه :

· يقرر في الفصل 74 أنه يجوز استئناف القرارات غير التأديبية دون التعرض لكون الاستئناف يوقف التنفيذ

· ثم يقرر في الفقرة الأولى من الفصل 75 أنه يجوز استئناف قرارات الحفظ الضمنية و الصريحة دون التعرض أيضا لأن استئنافها يوقف تنفيذها

· و أخيرا يقرر بالفقرة الثانية من الفصل 75 أنه يجوز استئناف القرارات التأديبية لكنه هذه المرة ينصص في نهاية الفقرة بأن الاستئناف يوقف التنفيذ عدا الصورة الأخيرة المذكورة بالفصل 68 من المرسوم وهو فصل لا يتعلق إلا بالقرارات التأديبية ، فيكون المشرع بذلك واضحا أن مبدأ المفعول التعليقي لا يطرح أصلا إلا عندما يتعلق الأمر بالقرارات التأديبية .

و حيث أن القرار محل الطعن الآن هو قرار غير تأديبي بل انتخابي فهو لذلك غير خاضع من حيث طبيعته إلى إيقاف التنفيذ مثلما وقع بيانه .

II- في غياب المصلحة في القيام باعتبار القائم هو احد أعضاء المجلس المصدر للقرار المطعون فيه

حيث أن القائم بدعوى إيقاف التنفيذ هو الأستاذ فتحي العيوني وهو عضو بمجلس الهيئة الوطنية للمحامين الذي أصدر القرار موضوع الطعن ، وهو بالتالي ملزم باحترام رأي الأغلبية داخل المجلس كما هو ملزم بالحرص على تنفيذ القرارات التي يتخذها المجلس طبقا للفصل 51 من النظام الداخلي و قد ورد فيه " يجب على كل عضو من أعضاء هياكل التسيير أن يؤدي مهامه بجدية و أن يحرص على حضور الاجتماعات و مختلف التظاهرات المهنية و أن يحترم رأي الأغلبية و أن يحافظ على سر المداولات و أن يحرص على تنفيذ القرارات التي يتم اتخاذها ".

و حيث يعد القائم بالدعوى من مصدري القرار بغض النظر عن حضوره جلسة التصويت من عدمه وبغض النظر عن رأيه في التصويت ما دام عند رفعه للدعوى محافظا على عضويته بالمجلس و لم يقدم استقالته .

و حيث أن الفصل 49 من المرسوم عـــ79ـــدد يسند إدارة الهيئة الوطنية للمحامين إلى مجلس يترأسه عميد بما يجعله مجلسا متضامنا بحكم تركيبته و بحكم النظام الداخلي لمهنة المحاماة و لا يجوز تبعا لذلك أن يتخلى أحد أعضاءه عن واجب التضامن و لا أن يجمع بين صفتي الطالب و المطلوب إذ هو جزء من كل المجلس .

وحيث يؤدي ذلك إلى غياب المصلحة عملا بما تقدم و عملا أيضا بأحكام الفصل 547 م إ ع و فيه أن "من سعى في نقض ما تم من جهته فسعيه مردود عليه إلا إذا أجاز القانون ذلك بوجه صريح " ، وهو ما يمثل مخالفة لشروط الفصل 19 م م م ت .

III -في طبيعة الإشكال القانوني المنشأ للنزاع :

حيث يتجه لحسن دراسة الإشكال القانوني عرض مقالة الطالب قبل مناقشتها و بيان حدودها و ترتيب الآثار على ذلك :

1/ في عرض مقالة الطاعن :

حيث يعرض الطاعن أن مجلس الهيئة الوطنية للمحامين قد انعقد يوم 5 جانفي 2012 للنظر في سد الشغور وقبل المرور إلى عملية الانتخاب أثار بعض أعضائه مسألة توفر الشروط القانونية في المترشحين للعمادة ، و قد انقسم أعضاء المجلس إلى فريقين :

· احدهما يرى أن على المترشح أن يستوفي شرط 10 سنوات أقدمية

· و الثاني يعتبر أن أقدمية 10 سنوات غير مشترطة

و حيث مع الإقرار بأنه قد تم فعلا انتخاب الأستاذ شوقي الطبيب عميدا للمحامين بأغلبية أعضاء المجلس ، فقد انتهى الطاعن إلى كون القرار الصادر بانتخاب الأستاذ شوقي الطبيب عميدا للمحامين باطل لمخالفته أحكام الفصلين 56 و 60 من المرسوم عدد 79 لسنة 2011 .

وحيث أسس الطاعن مقولة البطلان على اعتبار أن مسالة سد الشغور ينظمها الفصلان 56 و 60 ، و بعد عرضهما اعتبر أن الفصل 56 هو نص إطاري تتم الإحالة إليه من الفصل 60 بما يعني وجوب التقيد بأحكامه عند انتخاب العضو الذي سيتولى سد الشغور ، و يضيف الطاعن أن الفصل 56 واضح في التمييز بين الشروط و التحجيرات وان الشرط يتعلق باكتساب الصفة أو الحق بينما التحجير يتعلق بممارسة تلك الصفة أو ذلك الحق وعليه فان ما يصنف بأنها شروط هي :

· أقدمية تزيد عن 10 سنوات لدى التعقيب

· وعدم تحمل مسؤولية العمادة في السابق

بينما التحجيرات هي التي يتم إعمالها على من توفرت فيه الشروط و من حظي بانتخابه عميدا و تلك التحجيرات هي:

· عدم الجمع بين المسؤوليتين الجهوية والوطنية

· و نقاوة سوابقه من كل مؤاخذة تأديبية أو جزائية

وحيث يعتبر الطاعن أن العبارات المستعملة واضحة وصريحة من خلال التعرض إلى الشروط ثم بعد ذلك إلى التحجيرات كأثر تطبيقي عند ممارسة الخطة ممن توفرت فيه تلك الشروط ، و على اعتبار أن الفصل 60 أحال مسالة الترشح إلى أحكام الفصل 56 ولم يستثني إلا التحجير الوارد به وهي صورة الجمع بين مسؤولية وطنية ومسؤولية جهوية وعدى هذه الصورة فان أحكام النص تبقى سارية ولا سبيل إلى سحب الاستثناء الوارد بالفصل 56 على بقية أحكام الفصل 60 انطلاقا من الفقرة الرابعة من الفصل 60 الوارد بها " ولا يعتد بالتحجير المنصوص عليه بالفصل 56 من هذا المرسوم عند تولي العمادة للمدة المتبقية ".

و حيث رتب الطاعن على مقولته طلب إيقاف تنفيذ القرار محل الطعن .

2/ في مناقشة مقالة الطاعن و بيان حدودها.

حيث جوابا على هذا التحليل القانوني المعتمد من الطاعن نلاحظ ما يلي :

أولا : في تحرير موضع الخلاف القانوني.

حيث أن محل الخلاف هو في قراءة الأحكام المنظمة لانتخاب عميد سد الشغور و أن قراءة مجمل النصوص و الفقرات تبين أن النص حمّال أوجه وانه يقبل عديد القراءات وان مناط الخلاف سيدور حول الإجابة عن طبيعة العلاقة بين الفصلين 56 و 60 من المرسوم عدد 79 لسنة 2011 ، و بات هذا السؤال يمكن أن يحتمل جوابين على الأقل :

· فإما أن يكون الفصل 56 هو النص الذي يضع الشروط العامة فيما يضيف لها الفصل 60 بعض الشروط الخاصة ويصبح من الضروري الجمع بين كل الشروط الواردة بالفصلين على اختلاف تصنيف تلك الشروط (شرط أو تحجير) ما لم يقم الخاص بإلغاء العام أو تعديله ، و يبدو فهم الطاعن أقرب إلى هذه الصورة من صور فهم النص و إن لم يطابقها.

· و إما أن تعتمد قراءة ثانية و مختلفة أساسها أن الفصل 56 ينظم صورة من صور الانتخاب بينما ينظم الفصل 60 صورة أخرى موازية لها و مختلفة عنها ، وان التوازي بين الفصلين يجعلهما نظيرين لا تدمج شروط احدهما في الآخر إلا إذا نص القانون صراحة على ذلك وبالقدر المنصوص عليه و يستنتج من ذلك أن انتخابات سد الشغور لمنصب العمادة المنظمة بالفصل 60 لا تخضع لقواعد الانتخابات الدورية المنظمة بالفصل 56 و بيان ذلك كما يلي .

ثانيا : في تفصيل القول أن انتخابات سد الشغور لمنصب العمادة لا تخضع لقواعد الانتخابات الدورية .

حيث أن تفصيل القراءة الثاني من أوجه فهم النص تستلزم عرض البنية المنطقية التالية :

1/ أن المرسوم عدد 79 يوكل تسيير شؤون المهنة إلى صنفين من المؤسسات : مؤسسات مجلسية ( مجلس الهيئة ومجالس الفروع ) ومؤسسات فردية ( العميد و رؤساء الفروع ) و أن صلاحيات المؤسسات الفردية واسعة و مهمة طبقا لقانون المهنة و طبقا أيضا للأمر المنظم لصندوق الحيطة و التقاعد الخاص بالمحامين الذي يفرد العميد بصلاحيات عديدة بوصفه رئيسا لمجلس إدارته.

2/ أن المرسوم عـــ79ــدد يضع قواعد و شروط و إجراءات لانتخاب كل صنف من الصنفين المذكورين في الانتخابات الدورية مرة كل ثلاث سنوات ، من ذلك :

· أنه يضبط آجال تقديم الترشحات على المستوى الوطني و الجهوي بعشرين يوما قبل تاريخ الجلسة العامة الانتخابية.

· أنه يوجب تقديم مطالب الترشح إلى العميد المباشر للانتخابات الوطنية و للعميد المباشر أو من ينيبه للانتخابات الجهوية .

· أنه يفتح باب الترشح لعموم المحامين كما يمنح حق التصويت لعموم المحامين مع ضبط شروط ذلك .

· أنه يفرق فعلا بين الشروط و التحجيرات و يضبط فيما يتعلق بمن يترشح للعمادة شرطا وحيدا هو أقدمية 10 سنوات و ثلاث تحجيرات : اثنان منها تحجيرات عند الترشح نفسه هي عدم سبق تولي العمادة و عدم سبق المؤاخذة التجزائية أو التأديبية و الثالثة تحجير عند الممارسة هو عدم الجمع بين المسؤولية الجهوية و المسؤولية الوطنية علما و أن الشرط هو الأمر الذي يجب أن يتوفر فيما التحجير هو الأمر الذي يجب أن لا يتوفر .

· أنه يرتب البطلان على مخالفة الشروط المذكورة بالفصل 56 وهو يستعمل لفظة شروط بتعميم لكنه يقصد دون شك مخالفة التحجيرات أيضا فالتحجيرات هي أيضا شروط لكنها فقط شروط سلبية .

3/ أن قواعد وإجراءات وشروط الانتخاب تنقسم بدورها إلى صورتين : صورة الانتخاب الدوري " العادي " وصورة الانتخاب لسد الشغور " الاستثنائي " .

وحيث أن التدقيق في الفروق الموجودة بين الصورتين يوضح أن الاختلاف مرتبط بطبيعة المؤسسة مجلسية كانت أو فردية ، ذلك انه :

أ - بالنسبة للمؤسسة المجلسية يعتمد المشرع نفس الآلية في الصورة العادية كما في صورة سد الشغور (انتخاب العضو) اذ يفتح باب الترشح لعموم المحامين في الصورتين كما يكون التصويت أيضا لعموم المحامين في الصورتين ، فكان تماثل بينهما ولذلك افتتح الفصل 60 فقرته الأولى المتعلقة بسد شغور المجلس بالإحالة على الفصل 56 لاتحاد الحل في الصورتين إذا كانت طبيعة المؤسسة مجلسية .

و حيث من الضروري التنبيه أن الفقرة الأولى من الفصل 60 لم تحل على الشروط فقط بل أحالت على أحكام الفصل 56 أي على شروطه و إجراءاته و آجاله ، علما و أن الفقرة الثانية من الفصل 60 تضيف إلى أحكام الفصل 56 التي يجب احترامها أجلا جديدا هو أجل إجراء انتخابات سد الشغور المحدد بستين يوما كاملة يقبل المشرع أن تبقى فيها عضوية المجلس شاغرة .

ب - أما إذا كان المؤسسة فردية فان المشرع يعتمد آليتين مختلفتين :

· إذا كان الانتخاب عاديا ودوريا يفتح الترشح والتصويت لعموم المحامين ويشرف العميد الممارس على الانتخابات وتضبط آجال لتقديم الترشحات ويحدد الشرط الوحيد أي أقدمية 10 سنوات و التحجيرات ثلاث أي تباعا 1/ عدم سبق تولي العمادة 2/ وعدم سبق المؤاخذة 3/ و منع الجمع بين المسؤوليتين الجهوية والوطنية .

· لكن اذا تعلق الأمر بانتخابات سد الشغور يتغير المنطق تماما :

1. فتلغى الآجال تماما سواء آجال تقديم الترشح أو آجال سد الشغور .

2. و يغيب اشتراط أن يكون العميد المشرف على الانتخابات ( ينطبق الأمر على سد الشغور في خطة رئيس الفرع ) وهو لا يعوض بغيره و لا يحدد حتى الطرف المكلف بدعوة المجلس للانعقاد .

3. و يقتصر الترشح على أعضاء مجلس الهيئة

4. و يقتصر التصويت عليهم أيضا.

وهي عناصر تبين بشكل جلي نية المشرع لملء المنصب فورا .

و حيث يتضح من هذا الاختلاف في الحل الواقع تبنيه من المشرع بين المؤسسة المجلسية والمؤسسة الفردية أن هناك حرصا لدى المشرع في تجنب فراغ المؤسسات وهو لذلك :

· يتسامح إذا حدث الشغور في أحد أعضاء المؤسسات المجلسية فغياب أحد الأعضاء لا يؤدي إلى فراغ المؤسسة بما يجعله يتبنى أحكام الانتخابات العادية تقريبا عند سد الشغور .

· يصبح صارما واستثنائيا إذا حدث الفراغ في مؤسسة فردية فيتم عندئذ تجاوز الآجال والإجراءات بل إلغائها تماما ، و يتغير أصحاب الحق الأصليين في الترشح وهم عموم المحامين و في التصويت وهم عموم المحامين أيضا فيصبح إذا من البديهي غلبة الطابع الاسثنائي المتميز بالسرعة الشديدة و بتغير الأحكام على آليات سد الشغور في منصب العمادة بما يتجه معاملتها طبقا لهذا الطابع الاستثنائي .

و حيث يجد هذا التحليل مصداقا لبنيته في المقارنة بين الفصل المنظم لسد الشغور كما ورد في قانون 1989 ( الفصل 59 منه ) وبين نفس النص كما ورد في مرسوم 2011 ( الفصل 60 منه ) ذلك أن الفصلين متطابقين تقريبا ( مع فروق دقيقة و معبرة جاءت لتدعيم هذا التحليل ) إذ تبنى المشرع في الحالتين التمييز بين آلية سد الشغور المجلسية وآلية سد الشغور الفردية واقتصرت إضافته في انه أحال على شروط الفصل 56 في الفقرة الاولى فقط المتعلقة بسد الشغور المجلسي دون أن يقوم بنفس الإحالة عند سد الشغور الفردي إذ حافظ على نفس الفقرة بنفس الترقيم ( فقرة الثالثة ) ونفس المتن كلمة بكلمة وحرفا بحرف.

ثالثا : في المقصود بالفقرة الرابعة من الفصل 60 في خصوص عدم الاعتداد بالتحجير الوارد بالفصل 56 .

يبقى الآن تحليل الفقرة الأشهر في الفصلين 56 و 60 وهي الفقرة الرابعة بالفصل 60 من مرسوم 2011 و فيها انه "لا يعتد بالتحجير المنصوص عليه بالفصل 56 من هذا المرسوم عند تولي العمادة أو رئاسة الفرع للمدة المتبقية " فكيف يمكن قراءة و فهم هذه الفقرة خصوصا وهي دعامة أساسية من دعائم المنطق الواقع تبنيه عموما من الطالب ؟

يتجه بداية الانطلاق بداهة من أن ما ورد بتلك الفقرة هي قاعدة قانونية و أن كل قاعدة قانونية تقوم على عنصرين : أولا مقدمات القاعدة ( أي شروطها ) و ثانيا نتيجتها ( أي حكمها ) ، فما هي مقدمات قاعدة الفقرة الرابعة من الفصل 60 وما هو حكمها ؟

بالعودة إلى الفقرة مرة أخرى يتضح أن المقدمات هي تولي العمادة للمدة المتبقية و أن النتائج هي عدم الاعتداد بالتحجير الوارد بالفصل 56 ، فتصبح القاعدة إذا كالتالي : من يتولى العمادة للمدة المتبقية من الدورة لا ينطبق عليه التحجير الوارد بالفصل 56 ، أي أن سؤال انطباق التحجير من عدمه يطرح بعد تولي عمادة سد الشغور و ليس عند الترشح لها .

و حيث إن هذا الفهم للفقرة المذكورة يخرجها تماما من التأثير على الترشح لعمادة سد الشغور ، فشرطها هو تولي العمادة لسد الشغور و بالتالي لا مجال لانطباقها إلا في الانتخابات التي تلي انتخابات سد الشغور ، ذلك انه عندما نصل إلى الانتخابات الدورية في ظل عميد سد الشغور فانه سيطرح تساؤل : هل لعميد سد الشغور الحق في الترشح للانتخابات الدورية والحال أن هذا الترشح محكوم بالفصل 56 وهذا الفصل يمنع الترشح على من سبق له تولي العمادة؟

جاءت هذه الفقرة للجواب عن هذا السؤال فقط لا غير ، و لا يمكن لها أن تكون عاملة عند الترشح لانتخابات سد الشغور بما يبقي الترشح لانتخابات سد الشغور ممكنا لأي من أعضاء مجلس الهيئة الوطنية للمحامين وهو تدعيم لصيغة الإطلاق الواردة بالفقرة الثالثة وفيها أن مجلس الهيئة ينتخب احد أعضائه ( وردت العبارة عامة دون أي وصف).

و حيث يتجه التذكير أن هذه الفقرة أيضا ليست مستحدثة سنة 2011 بل هي موجودة منذ قانون 1989 بصياغة أكثر بساطة و وضوحا إذ ورد بالفقرة الرابعة بالفصل 59 من القانون المذكور ما يلي " و تولي العمادة أو رئاسة الفرع الجهوي للمدة المتبقية لا يعتبر في التحجير المنصوص عليه بالفصل 56 " علما وان الفصل 56 في صيغته القديمة يحتوي على تحجير وحيد هو منع تحمل نفس المسؤولية لأكثر من فترتين متتاليتين .

رابعا :في الواجب المفروض على مجلس الهيئة بانتخاب عميد سد الشغور .

حيث أن إفتراض و قبول تعدد القراءات و الإجابات عن المشكل المطروح المتمثل في شروط الترشح لعمادة سد الشغور لا بد أن يتم ربطه مع الصلاحية المحمولة بل المفروضة على مجلس الهيئة الوطنية للمحامين و المتمثلة في قيامه دون آجال بانتخاب عميد سد الشغور ، فكان من الواجب على المجلس أن يتبنى فهما ما للمشكل المطروح صراحة أو ضمنا ، و يقوم على أساس ذلك الفهم بانتخاب عميد الشغور و هذا ما حصل فعلا بجلسة 05-01-2012 إذ تقدم مترشحون لمنصب العمادة و طرح نقاش حول فهم النصوص و حسم النقاش بالوسيلة الوحيدة الممكنة لحسم الخلاف داخل المجالس وهي التصويت على اختيار من ترشح بما يعني تبنيا لموقف ما في فهم شروط ذلك الترشح .

و حيث أن ما قام به المجلس هو من صميم صلاحياته التي عليه ممارستها و ليس له التخلي عنها أو التفصي منها بل إن تخليه أو تراخيه في قيامه بهذا الواجب هو الذي يعد خطأ .

خامسا : في طبيعة الرقابة الممنوحة لمحكمة الجناب عند النظر في الطعن المقرر بالفصل 74 من المرسوم.

حيث أن الفصل 74 من المرسوم عدد 79 لسنة 2011 يفتح الباب للطعن في قرارات المجلس غير التأديبية أمام محكمة الجناب ( المقصود هو الطعن بالاستئناف و ليس إيقاف التنفيذ ) ، وهو الطعن المحكوم بالمنطق العام الذي يسير عليه الطعن في مقررات الهيئات المهنية باعتبار تلك المقررات ذات طبيعة إدارية كما تواضع الفقه على اعتبارها[3] ، وهو الذي اعتبر أيضا أن على القاضي العدلي عند النظر في الطعون الموجهة لمقررات الهيئات المهنية أن لا يبتعد عن معاملتها طبقا لطبيعتها ، وهي المعاملة التي تقصر نظر القاضي على مراقبة الشرعية دون الملائمة و هنا يبرز الاختلاف بين النظر استئنافيا بروح القانون العدلي ففيه آثار الاستئناف التقليدية و منها المفعول الانتقالي الذي يفتح الباب لاجتهاد قاضي الاستئناف بأن يمنحه حق نقض الاجتهاد الصادر عن قاضي الطور الابتدائي ... و النظر استئنافيا بروح القانون الإداري و فيه لا يغير الاجتهاد باجتهاد إذا يقتصر نظر القاضي على المشروعية أي على البحث في أحقية مصدر القرار في إصداره و في إتباعه الإجراءات القانونية عند اتخاذه .

3/ الخلاصة : في شرعية قرار مجلس الهيئة الوطنية للمحامين المتخذ بجلسة 05-01-2012 .

حيث يترتب عن كل ما سبق توضيحه أن مجلس الهيئة الوطنية للمحامين قد اتخذ قراره طبقا للصلاحيات التي منحها إياه نص القانون في احترام لإجراءات اتخاذ القرار ، و أن المجلس قد اجتهد في فهم النص طبقا لطبيعته بما يتجه معه اعتبار قراره شرعيا و أن لا وجه لإيقاف تنفيذه .



[1] محمد محفوظ : استئناف مقررات الهيئات المهنية ، ضمن أعمال ملتقى "الاستئناف" بكلية الحقوق و العلوم السياسية بتونس من 18 إلى 20 ماي 1989 ص 289 و ما بعدها .

[2] نفس المرجع السابق صفحة 299 .

[3] المرجع السابق ص 289 و ما بعدها .

06‏/01‏/2012

الاستاذ شوقي الطبيب عميد المحامين التونسين

اثار انتخاب الاستاذ شوقي الطبيب عميدا للهيئة الوطنية للمحامين سدا للشغور الحاصل في خطة العميد وذلك للمدة المتبقية من الدورة الحالية 2010/2013 نقاشا بين المحامين تابعت منه النزر القليل واستغربت اللغط الصادر عمن يفترض انهم محترفي قانون فسمعت آراء غريبة لا يحكم معارفها وتأويلاتها سوى حقدها على الاستاذ شوقي الطبيب العميد الشرعي القانوني المنتخب وفق القانون فكان تعامل الخائضين في هذه المسألة يتّسم باستبعاد أبسط قواعد التأويل وهو تطور النص تاريخيا وقد لاحظت انّ كل من تصدى للتأويل تعامل مع احكام الفصل 60 وكأنها احكام جديدة لم يأت بها سوى المرسوم عدد 79 والحال ان الفصل 60 هو نفسه الفصل 59 من قانون 89 المنظم للمهنة المحاماة ولو تحمّل اي خائض في هذه المسألة عناء قراءة الفصل 60 قديم لتمكن من فهم الفصل 60 واظن ان اصحاب العباءة السوداء سيطلعون على احكام الفصل 59 قديم قبل الخوض في مسائل واضحة لا تتطلب اي تأويل . لذا رجاء ان لا يتعامل المحامون مع تاويل الفصل 60 جديد وكأنه مؤسسة جديدة او فكرة جاء بها المشرع الجديد او حالة كانت غير منظمة وثغرة من ثغرات القانون القديم سدها المرسوم الجديد
هذه دفعة على الحساب والبقية ستكون عند تحرير الكتاب .
الاستاذ ذاكر العلوي في 6 جانفي 2012