31‏/07‏/2007

مقدمة لبيان اهداف هذه المدونة

كثيرا ما يتحدث العاملون في المجال القانوني عن الاختلاف بين النص والتطبيق ، وكون القضاء ينأى في بعض الاحيان عن النص القانوني بان يوجد تاويلا للنصوص تجعل تلك النصوص اقرب للواقع : فالنص جامد والحالات التي تعرض على القضاء متعددة ومختلفة باختلاف اوضاع الناس وباختلاف الوصعيات ،غير ان القائل بمثل ذلك يؤكد كلما تبنى هذا الموقف ان القضاء لا يمكنه الغاء وجود نص قانوني فالمسالة تتعلق بالتاويل ولا بالتشريع وهي روح التفريق بين السلط .
ولا يمكن لأحد ان ينكر ان القضاء ساهم في خلق مؤسسات قانونية لم تكن موجودة في محاولة منه لملىء الفراغ التشريعي او لتظييق نصوص واسعة او لتوسيع احكام ضيقة وهو امر محمود في جوهره ومطلوب في غاياته غير انه ولئن لم يثر هذا التمشي للقضاء اي مشكلات في الانظمة القانونية التي تعتمد السابقة القضائية كمصدر "تشريعي" فان الامر في القانون التونسي يختلف . فالتشريع هو المصدر الاصلي والاساسي للقانون وكثرة التشاريع التونسية وتعددها هي ما ساهم في خلق ثغرات وحالات يمكن وصفها بالاخطاء الشائعة في التطبيق قد يكون سببها كثرة التشريعات الاستثنائية التي طغت على التشريعات المبدئية فالكراء مثلا في القانون التونسي تحكمه مجلة الالتزامات والعقود وهي التشريع المبدئي الذي يحكم العلاقات المدنية في مجملها وينظم العقود في مجملها وتحكمه الى جانب ذلك عديد التشريعات الاستثنائية جاءت بها قوانين مثل قانون 1976 الذي يحكم العلاقة بين المالك والمتسوغ لمحلات السكنى والحرفة وقانون 1977 الذي يحكم العلاقات بين المالكين والمتسوغين للمحلات التجارية وقانون 1986 الذي يحكم العلاقات بين المالكين والمستوغين للعقارات الفلاحية كما انه توجد تشريعات تحكم كراء الاراضي الفلاحية الراجعة ملكيتها للدولة وتشريعات خاصة بكراء املاك الدولة عموما وغيرها
لا شك في ان كثرة الاستئناءات تذيب المبدا ويتطلب من دارس القانون اكثر انتباها واكثر دراية بالقوانين الاستثنائية وتجعل من غير الدارسين للقانون اي الشخص العادي مثلا جاهلا بالقانون حتى بابسط القواعد الت يتحكم علاقاته اليومية
ثم ان تدخل غير المختصين في التاويل وشرح القانون او حتى عرضه وبسطه ساهم في انشاء فصيلة من القواعد الخاطئة التي تقترب من مرتبة القوانين الآن فالغلط الشائع يقوم مقام القانون حتى اصبحنا نسمع عن مبادىء قانونية هي ابعد ما يكون عن القانون نفسه. مثل لا يعذر جاهل بجهله للقانون ومثل العقد شريعة المتعاقدين وهي كلها مبادىء اهملت النصوص التي اقرتها وضبطت شروطها فجهل القانون لا يكون عذرا في ارتكاب ممنوع او في مالا يخفى حتى على العوام وليس الامر على اطلاقه ابدا وما انعقد على الوجه الصحيح يقوم مقام القانون بين طرفيه ولا يمكن الاحتجاج بعقد باطل ابدا بمقولة ان العقد شريعة المتعاقدين وغيرها من الاخطاء الشائعة

ولعل احسن طريقة لتجاوز هذا الاشكال - ان كان هناك اشكال اصلا - هو تتبع الاحكام القضائية ومحاولة التاصيل لها قانونيا بان يرجع كل حكم حكم الى اصله القانوني ومقابلته به وهذا ما دفعني الى اختيار هطا الاسلوب اي خلق مدونة الكترونية مفتوحة على جميع الدارسين للقانون لخلق منبر يساهم في التاصيل للقانون التونسي وجعله اكثر دقة
وقد لوحظ خلال التسعينات وبداية هذا القرن ابتعاد حتى من احترف القانون عن الرجوع الى النصوص حتى انك تواجه في بعض الاحيان عرائض دعوى بطول صفحتين او اكثر لا تتضمن اي نص قانوني كما لا تستغرب اذا اطلعت على نسخة حكم مدني لا تجد به من نصوص القانون غير الفصل 128 م م م ت لتحميل مصاريف التقاضي بحيث لا تجد في اغلب تلخيصات الاحكام غير النصوص الاجرائية ولا يقع ارجاع مؤسسات القانون الى اصولها ولا يوضع النزاع في اطاره فتفشى هذا الاسلوب حتى بين المحامين وصارت عرائض الدعوى سردا مملا لوقائع
حسب رائي السبب هوالافراط في تبنى مبدا الحياد الاجابي للقاضي ومقولة ان القاضي يعهد بالوقائع " اعطني وقائع اعطيك قانون "
ان الافراط في اعتماد هذين المبدئين يفرغ القانون منكل فائدة ومن اهم وظائفه وهو المساواة والعدل فالقاضي قد يلغي الاجراءات مثلا لصالح اصل الحقوق وهذا امر محمود في ظل قانون عرفي او قضاء شرعي يقوم على اجتهاد القاضي فحسب ولا يكون الامر بنفس الفائدة في ظل قانون مكتوب ونصوص منشورة اعلمت المخاطبين بها مسبقا عن نتائجها