21‏/08‏/2012


16‏/01‏/2012

في التعليق على النزاعات القانونية المتعلقة بقرار مجلس الهيئة الوطنية للمحامين القاضي

بانتخاب الأستاذ شوقي الطبيب عميدا للمحامين .

بقلم كل من : الأستاذ فوزي جاب الله و الأستاذ ذاكر العلوي

تعددت الأوجه التي تم من خلالها النظر إلى الإشكال الواقع داخل المحاماة التونسية منذ انتخاب الأستاذ شوقي الطبيب عميدا للمحامين لسد الشغور الناتج عن تولي العميد عبد الرزاق كيلاني حقيبة وزارية ، إلا أن كل تناول للإشكال لا يمكنه إغفال البعد القانوني الصرف للنزاع الناشئ عن صياغة النصوص المنظمة لانتخاب العميد عامة و لانتخابات سد الشغور خاصة .

و حيث أن تدخل أكثر من جهة ( مجلس العمداء – المجلس العلمي و لجنة صياغة القانون ) لإصدار بيانات تحدد مواقفها ( وهي متضاربة ) من قراءة النص و تأويله لا تزيد إلا تدعيم الرأي القائل أن جوهر الإشكال قانوني و أن أبعاد الخلاف الأخرى شخصية كانت أو سياسية هي مرتبطة بالفصل في الزاوية القانونية للنزاع.

و حيث مساهمة في تطوير النقاش القانوني لا غير ، نقدم هذا التعليق على النزاع الأصلي المتعلق بشرعية القرار الانتخابي و النزاع الفرعي المتعلق بإيقاف التنفيذ المرفوعين أمام محكمة الاستئناف بتونس .

I - في عدم اختصاص الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بالنظر في إيقاف التنفيذ لغياب الأساس القانوني لذلك:

حيث خلت دعوى وقف التنفيذ من كل أساس قانوني يمكن الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف من التصدي لتوقيف تنفيذ القرار المطعون فيه استئنافيا و المعين لجلسة 09-02-2012 ، فكان السند المعتمد في العريضة سندا واقعيا إذ علق الأمر "بالنظام العام اعتبارا إلى مبدأ علوية القانون وحماية مصالح القطاع" وهو ما لا يستقيم قانونا ، فالاختصاص الحكمي لا يؤسس على الرغبة في حماية علوية القانون بل لا بد من نص واضح يمنح دائرة قضائية ما الاختصاص للنظر في صنف معين من الدعاوى وهو ما يغيب في دعوى الحال من جهتين : باعتبارها متعلقة بإيقاف تنفيذ قرار من قرارات الهيئة الوطنية للمحامين بشكل عام و باعتبارها متعلقة بإيقاف تنفيذ قرار يصنف من القرارات الانتخابية بشكل خاص .

1 – في عدم إمكانية طلب إيقاف تنفيذ قرارات مجلس الهيئة الوطنية للمحامين منذ صدور المرسوم عــ79ــدد :

حيث لا وجود لأساس قانوني يمكن الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف من النظر في توقيف تنفيذ قرارات مجلس الهيئة الوطنية للمحامين لا في مجلة المرافعات المدنية و التجارية و لا في المرسوم عـ79ــدد لسنة 2011 ، بل أكثر من ذلك فقد ألغى المرسوم عــ79ـدد كل إمكانية لتوقيف تنفيذ القرارات الصادرة عن مجلس هياكل المحاماة كما كانت واردة بالفص74 قديم الذي كان يسند للرئيس الأول لمحكمة الاستئناف الاختصاص في إيقاف تنفيذ بعض القرارات التأديبية المكسوة بالنفاذ العاجل فقط لا غير .

وحيث لا وجود لأي نص أو قانون يمنح اختصاصا للرئيس الأول لإيقاف تنفيذ أي قرار ولو في المادة التأديبية ولو كان محلى بالنفاذ العاجل .

و حيث أن الاختصاص الحكمي متعلق بالنظام العام تثيره المحكمة من تلقاء نفسها .

2 – في عدم قابلية القرارات الانتخابية المتعلقة بالهيئة الوطنية للمحامين لإيقاف التنفيذ من حيث طبيعتها :

حيث أن التدقيق في نظام إيقاف التنفيذ المرتبط بالقرارات الصادرة عن الهيئة الوطنية للمحامين يستلزم عرض تصنيف قرارات الهيئة وهي تنقسم حسب الفقه التونسي[1] إلى ثلاثة أصناف تشترك فيها مع القرارات الصادرة عن بقية الهيئات المهنية : قرارات تأديبية و قرارات إدارية و قرارات انتخابية مع صنفين من القرارات التي تتميز بهما الهيئة الوطنية للمحامين هما قرارات التسعيرة و قرارات صندوق التقاعد و الحيطة للمحامين .

و حيث يرى الفقه فيما يخص موضوع قضية الحال أن الأثر التعليقي للاستئناف غير ذي موضوع في خصوص القرارات الانتخابية لأن "المسألة تتعلق بتركيب الهياكل الإدارية للهيئات و لا يستساغ أن يعلق الطعن بالاستئناف وجود هذه الهياكل و تبقى الهيئات بدون مسيرين " [2] .

و حيث تبنى المشرع أيضا هذا الموقف باعتباره قد اقتصر ، عند التعرض للمفعول التعليقي للاستئناف ،على المقررات التأديبية لا غير ذلك أنه :

· يقرر في الفصل 74 أنه يجوز استئناف القرارات غير التأديبية دون التعرض لكون الاستئناف يوقف التنفيذ

· ثم يقرر في الفقرة الأولى من الفصل 75 أنه يجوز استئناف قرارات الحفظ الضمنية و الصريحة دون التعرض أيضا لأن استئنافها يوقف تنفيذها

· و أخيرا يقرر بالفقرة الثانية من الفصل 75 أنه يجوز استئناف القرارات التأديبية لكنه هذه المرة ينصص في نهاية الفقرة بأن الاستئناف يوقف التنفيذ عدا الصورة الأخيرة المذكورة بالفصل 68 من المرسوم وهو فصل لا يتعلق إلا بالقرارات التأديبية ، فيكون المشرع بذلك واضحا أن مبدأ المفعول التعليقي لا يطرح أصلا إلا عندما يتعلق الأمر بالقرارات التأديبية .

و حيث أن القرار محل الطعن الآن هو قرار غير تأديبي بل انتخابي فهو لذلك غير خاضع من حيث طبيعته إلى إيقاف التنفيذ مثلما وقع بيانه .

II- في غياب المصلحة في القيام باعتبار القائم هو احد أعضاء المجلس المصدر للقرار المطعون فيه

حيث أن القائم بدعوى إيقاف التنفيذ هو الأستاذ فتحي العيوني وهو عضو بمجلس الهيئة الوطنية للمحامين الذي أصدر القرار موضوع الطعن ، وهو بالتالي ملزم باحترام رأي الأغلبية داخل المجلس كما هو ملزم بالحرص على تنفيذ القرارات التي يتخذها المجلس طبقا للفصل 51 من النظام الداخلي و قد ورد فيه " يجب على كل عضو من أعضاء هياكل التسيير أن يؤدي مهامه بجدية و أن يحرص على حضور الاجتماعات و مختلف التظاهرات المهنية و أن يحترم رأي الأغلبية و أن يحافظ على سر المداولات و أن يحرص على تنفيذ القرارات التي يتم اتخاذها ".

و حيث يعد القائم بالدعوى من مصدري القرار بغض النظر عن حضوره جلسة التصويت من عدمه وبغض النظر عن رأيه في التصويت ما دام عند رفعه للدعوى محافظا على عضويته بالمجلس و لم يقدم استقالته .

و حيث أن الفصل 49 من المرسوم عـــ79ـــدد يسند إدارة الهيئة الوطنية للمحامين إلى مجلس يترأسه عميد بما يجعله مجلسا متضامنا بحكم تركيبته و بحكم النظام الداخلي لمهنة المحاماة و لا يجوز تبعا لذلك أن يتخلى أحد أعضاءه عن واجب التضامن و لا أن يجمع بين صفتي الطالب و المطلوب إذ هو جزء من كل المجلس .

وحيث يؤدي ذلك إلى غياب المصلحة عملا بما تقدم و عملا أيضا بأحكام الفصل 547 م إ ع و فيه أن "من سعى في نقض ما تم من جهته فسعيه مردود عليه إلا إذا أجاز القانون ذلك بوجه صريح " ، وهو ما يمثل مخالفة لشروط الفصل 19 م م م ت .

III -في طبيعة الإشكال القانوني المنشأ للنزاع :

حيث يتجه لحسن دراسة الإشكال القانوني عرض مقالة الطالب قبل مناقشتها و بيان حدودها و ترتيب الآثار على ذلك :

1/ في عرض مقالة الطاعن :

حيث يعرض الطاعن أن مجلس الهيئة الوطنية للمحامين قد انعقد يوم 5 جانفي 2012 للنظر في سد الشغور وقبل المرور إلى عملية الانتخاب أثار بعض أعضائه مسألة توفر الشروط القانونية في المترشحين للعمادة ، و قد انقسم أعضاء المجلس إلى فريقين :

· احدهما يرى أن على المترشح أن يستوفي شرط 10 سنوات أقدمية

· و الثاني يعتبر أن أقدمية 10 سنوات غير مشترطة

و حيث مع الإقرار بأنه قد تم فعلا انتخاب الأستاذ شوقي الطبيب عميدا للمحامين بأغلبية أعضاء المجلس ، فقد انتهى الطاعن إلى كون القرار الصادر بانتخاب الأستاذ شوقي الطبيب عميدا للمحامين باطل لمخالفته أحكام الفصلين 56 و 60 من المرسوم عدد 79 لسنة 2011 .

وحيث أسس الطاعن مقولة البطلان على اعتبار أن مسالة سد الشغور ينظمها الفصلان 56 و 60 ، و بعد عرضهما اعتبر أن الفصل 56 هو نص إطاري تتم الإحالة إليه من الفصل 60 بما يعني وجوب التقيد بأحكامه عند انتخاب العضو الذي سيتولى سد الشغور ، و يضيف الطاعن أن الفصل 56 واضح في التمييز بين الشروط و التحجيرات وان الشرط يتعلق باكتساب الصفة أو الحق بينما التحجير يتعلق بممارسة تلك الصفة أو ذلك الحق وعليه فان ما يصنف بأنها شروط هي :

· أقدمية تزيد عن 10 سنوات لدى التعقيب

· وعدم تحمل مسؤولية العمادة في السابق

بينما التحجيرات هي التي يتم إعمالها على من توفرت فيه الشروط و من حظي بانتخابه عميدا و تلك التحجيرات هي:

· عدم الجمع بين المسؤوليتين الجهوية والوطنية

· و نقاوة سوابقه من كل مؤاخذة تأديبية أو جزائية

وحيث يعتبر الطاعن أن العبارات المستعملة واضحة وصريحة من خلال التعرض إلى الشروط ثم بعد ذلك إلى التحجيرات كأثر تطبيقي عند ممارسة الخطة ممن توفرت فيه تلك الشروط ، و على اعتبار أن الفصل 60 أحال مسالة الترشح إلى أحكام الفصل 56 ولم يستثني إلا التحجير الوارد به وهي صورة الجمع بين مسؤولية وطنية ومسؤولية جهوية وعدى هذه الصورة فان أحكام النص تبقى سارية ولا سبيل إلى سحب الاستثناء الوارد بالفصل 56 على بقية أحكام الفصل 60 انطلاقا من الفقرة الرابعة من الفصل 60 الوارد بها " ولا يعتد بالتحجير المنصوص عليه بالفصل 56 من هذا المرسوم عند تولي العمادة للمدة المتبقية ".

و حيث رتب الطاعن على مقولته طلب إيقاف تنفيذ القرار محل الطعن .

2/ في مناقشة مقالة الطاعن و بيان حدودها.

حيث جوابا على هذا التحليل القانوني المعتمد من الطاعن نلاحظ ما يلي :

أولا : في تحرير موضع الخلاف القانوني.

حيث أن محل الخلاف هو في قراءة الأحكام المنظمة لانتخاب عميد سد الشغور و أن قراءة مجمل النصوص و الفقرات تبين أن النص حمّال أوجه وانه يقبل عديد القراءات وان مناط الخلاف سيدور حول الإجابة عن طبيعة العلاقة بين الفصلين 56 و 60 من المرسوم عدد 79 لسنة 2011 ، و بات هذا السؤال يمكن أن يحتمل جوابين على الأقل :

· فإما أن يكون الفصل 56 هو النص الذي يضع الشروط العامة فيما يضيف لها الفصل 60 بعض الشروط الخاصة ويصبح من الضروري الجمع بين كل الشروط الواردة بالفصلين على اختلاف تصنيف تلك الشروط (شرط أو تحجير) ما لم يقم الخاص بإلغاء العام أو تعديله ، و يبدو فهم الطاعن أقرب إلى هذه الصورة من صور فهم النص و إن لم يطابقها.

· و إما أن تعتمد قراءة ثانية و مختلفة أساسها أن الفصل 56 ينظم صورة من صور الانتخاب بينما ينظم الفصل 60 صورة أخرى موازية لها و مختلفة عنها ، وان التوازي بين الفصلين يجعلهما نظيرين لا تدمج شروط احدهما في الآخر إلا إذا نص القانون صراحة على ذلك وبالقدر المنصوص عليه و يستنتج من ذلك أن انتخابات سد الشغور لمنصب العمادة المنظمة بالفصل 60 لا تخضع لقواعد الانتخابات الدورية المنظمة بالفصل 56 و بيان ذلك كما يلي .

ثانيا : في تفصيل القول أن انتخابات سد الشغور لمنصب العمادة لا تخضع لقواعد الانتخابات الدورية .

حيث أن تفصيل القراءة الثاني من أوجه فهم النص تستلزم عرض البنية المنطقية التالية :

1/ أن المرسوم عدد 79 يوكل تسيير شؤون المهنة إلى صنفين من المؤسسات : مؤسسات مجلسية ( مجلس الهيئة ومجالس الفروع ) ومؤسسات فردية ( العميد و رؤساء الفروع ) و أن صلاحيات المؤسسات الفردية واسعة و مهمة طبقا لقانون المهنة و طبقا أيضا للأمر المنظم لصندوق الحيطة و التقاعد الخاص بالمحامين الذي يفرد العميد بصلاحيات عديدة بوصفه رئيسا لمجلس إدارته.

2/ أن المرسوم عـــ79ــدد يضع قواعد و شروط و إجراءات لانتخاب كل صنف من الصنفين المذكورين في الانتخابات الدورية مرة كل ثلاث سنوات ، من ذلك :

· أنه يضبط آجال تقديم الترشحات على المستوى الوطني و الجهوي بعشرين يوما قبل تاريخ الجلسة العامة الانتخابية.

· أنه يوجب تقديم مطالب الترشح إلى العميد المباشر للانتخابات الوطنية و للعميد المباشر أو من ينيبه للانتخابات الجهوية .

· أنه يفتح باب الترشح لعموم المحامين كما يمنح حق التصويت لعموم المحامين مع ضبط شروط ذلك .

· أنه يفرق فعلا بين الشروط و التحجيرات و يضبط فيما يتعلق بمن يترشح للعمادة شرطا وحيدا هو أقدمية 10 سنوات و ثلاث تحجيرات : اثنان منها تحجيرات عند الترشح نفسه هي عدم سبق تولي العمادة و عدم سبق المؤاخذة التجزائية أو التأديبية و الثالثة تحجير عند الممارسة هو عدم الجمع بين المسؤولية الجهوية و المسؤولية الوطنية علما و أن الشرط هو الأمر الذي يجب أن يتوفر فيما التحجير هو الأمر الذي يجب أن لا يتوفر .

· أنه يرتب البطلان على مخالفة الشروط المذكورة بالفصل 56 وهو يستعمل لفظة شروط بتعميم لكنه يقصد دون شك مخالفة التحجيرات أيضا فالتحجيرات هي أيضا شروط لكنها فقط شروط سلبية .

3/ أن قواعد وإجراءات وشروط الانتخاب تنقسم بدورها إلى صورتين : صورة الانتخاب الدوري " العادي " وصورة الانتخاب لسد الشغور " الاستثنائي " .

وحيث أن التدقيق في الفروق الموجودة بين الصورتين يوضح أن الاختلاف مرتبط بطبيعة المؤسسة مجلسية كانت أو فردية ، ذلك انه :

أ - بالنسبة للمؤسسة المجلسية يعتمد المشرع نفس الآلية في الصورة العادية كما في صورة سد الشغور (انتخاب العضو) اذ يفتح باب الترشح لعموم المحامين في الصورتين كما يكون التصويت أيضا لعموم المحامين في الصورتين ، فكان تماثل بينهما ولذلك افتتح الفصل 60 فقرته الأولى المتعلقة بسد شغور المجلس بالإحالة على الفصل 56 لاتحاد الحل في الصورتين إذا كانت طبيعة المؤسسة مجلسية .

و حيث من الضروري التنبيه أن الفقرة الأولى من الفصل 60 لم تحل على الشروط فقط بل أحالت على أحكام الفصل 56 أي على شروطه و إجراءاته و آجاله ، علما و أن الفقرة الثانية من الفصل 60 تضيف إلى أحكام الفصل 56 التي يجب احترامها أجلا جديدا هو أجل إجراء انتخابات سد الشغور المحدد بستين يوما كاملة يقبل المشرع أن تبقى فيها عضوية المجلس شاغرة .

ب - أما إذا كان المؤسسة فردية فان المشرع يعتمد آليتين مختلفتين :

· إذا كان الانتخاب عاديا ودوريا يفتح الترشح والتصويت لعموم المحامين ويشرف العميد الممارس على الانتخابات وتضبط آجال لتقديم الترشحات ويحدد الشرط الوحيد أي أقدمية 10 سنوات و التحجيرات ثلاث أي تباعا 1/ عدم سبق تولي العمادة 2/ وعدم سبق المؤاخذة 3/ و منع الجمع بين المسؤوليتين الجهوية والوطنية .

· لكن اذا تعلق الأمر بانتخابات سد الشغور يتغير المنطق تماما :

1. فتلغى الآجال تماما سواء آجال تقديم الترشح أو آجال سد الشغور .

2. و يغيب اشتراط أن يكون العميد المشرف على الانتخابات ( ينطبق الأمر على سد الشغور في خطة رئيس الفرع ) وهو لا يعوض بغيره و لا يحدد حتى الطرف المكلف بدعوة المجلس للانعقاد .

3. و يقتصر الترشح على أعضاء مجلس الهيئة

4. و يقتصر التصويت عليهم أيضا.

وهي عناصر تبين بشكل جلي نية المشرع لملء المنصب فورا .

و حيث يتضح من هذا الاختلاف في الحل الواقع تبنيه من المشرع بين المؤسسة المجلسية والمؤسسة الفردية أن هناك حرصا لدى المشرع في تجنب فراغ المؤسسات وهو لذلك :

· يتسامح إذا حدث الشغور في أحد أعضاء المؤسسات المجلسية فغياب أحد الأعضاء لا يؤدي إلى فراغ المؤسسة بما يجعله يتبنى أحكام الانتخابات العادية تقريبا عند سد الشغور .

· يصبح صارما واستثنائيا إذا حدث الفراغ في مؤسسة فردية فيتم عندئذ تجاوز الآجال والإجراءات بل إلغائها تماما ، و يتغير أصحاب الحق الأصليين في الترشح وهم عموم المحامين و في التصويت وهم عموم المحامين أيضا فيصبح إذا من البديهي غلبة الطابع الاسثنائي المتميز بالسرعة الشديدة و بتغير الأحكام على آليات سد الشغور في منصب العمادة بما يتجه معاملتها طبقا لهذا الطابع الاستثنائي .

و حيث يجد هذا التحليل مصداقا لبنيته في المقارنة بين الفصل المنظم لسد الشغور كما ورد في قانون 1989 ( الفصل 59 منه ) وبين نفس النص كما ورد في مرسوم 2011 ( الفصل 60 منه ) ذلك أن الفصلين متطابقين تقريبا ( مع فروق دقيقة و معبرة جاءت لتدعيم هذا التحليل ) إذ تبنى المشرع في الحالتين التمييز بين آلية سد الشغور المجلسية وآلية سد الشغور الفردية واقتصرت إضافته في انه أحال على شروط الفصل 56 في الفقرة الاولى فقط المتعلقة بسد الشغور المجلسي دون أن يقوم بنفس الإحالة عند سد الشغور الفردي إذ حافظ على نفس الفقرة بنفس الترقيم ( فقرة الثالثة ) ونفس المتن كلمة بكلمة وحرفا بحرف.

ثالثا : في المقصود بالفقرة الرابعة من الفصل 60 في خصوص عدم الاعتداد بالتحجير الوارد بالفصل 56 .

يبقى الآن تحليل الفقرة الأشهر في الفصلين 56 و 60 وهي الفقرة الرابعة بالفصل 60 من مرسوم 2011 و فيها انه "لا يعتد بالتحجير المنصوص عليه بالفصل 56 من هذا المرسوم عند تولي العمادة أو رئاسة الفرع للمدة المتبقية " فكيف يمكن قراءة و فهم هذه الفقرة خصوصا وهي دعامة أساسية من دعائم المنطق الواقع تبنيه عموما من الطالب ؟

يتجه بداية الانطلاق بداهة من أن ما ورد بتلك الفقرة هي قاعدة قانونية و أن كل قاعدة قانونية تقوم على عنصرين : أولا مقدمات القاعدة ( أي شروطها ) و ثانيا نتيجتها ( أي حكمها ) ، فما هي مقدمات قاعدة الفقرة الرابعة من الفصل 60 وما هو حكمها ؟

بالعودة إلى الفقرة مرة أخرى يتضح أن المقدمات هي تولي العمادة للمدة المتبقية و أن النتائج هي عدم الاعتداد بالتحجير الوارد بالفصل 56 ، فتصبح القاعدة إذا كالتالي : من يتولى العمادة للمدة المتبقية من الدورة لا ينطبق عليه التحجير الوارد بالفصل 56 ، أي أن سؤال انطباق التحجير من عدمه يطرح بعد تولي عمادة سد الشغور و ليس عند الترشح لها .

و حيث إن هذا الفهم للفقرة المذكورة يخرجها تماما من التأثير على الترشح لعمادة سد الشغور ، فشرطها هو تولي العمادة لسد الشغور و بالتالي لا مجال لانطباقها إلا في الانتخابات التي تلي انتخابات سد الشغور ، ذلك انه عندما نصل إلى الانتخابات الدورية في ظل عميد سد الشغور فانه سيطرح تساؤل : هل لعميد سد الشغور الحق في الترشح للانتخابات الدورية والحال أن هذا الترشح محكوم بالفصل 56 وهذا الفصل يمنع الترشح على من سبق له تولي العمادة؟

جاءت هذه الفقرة للجواب عن هذا السؤال فقط لا غير ، و لا يمكن لها أن تكون عاملة عند الترشح لانتخابات سد الشغور بما يبقي الترشح لانتخابات سد الشغور ممكنا لأي من أعضاء مجلس الهيئة الوطنية للمحامين وهو تدعيم لصيغة الإطلاق الواردة بالفقرة الثالثة وفيها أن مجلس الهيئة ينتخب احد أعضائه ( وردت العبارة عامة دون أي وصف).

و حيث يتجه التذكير أن هذه الفقرة أيضا ليست مستحدثة سنة 2011 بل هي موجودة منذ قانون 1989 بصياغة أكثر بساطة و وضوحا إذ ورد بالفقرة الرابعة بالفصل 59 من القانون المذكور ما يلي " و تولي العمادة أو رئاسة الفرع الجهوي للمدة المتبقية لا يعتبر في التحجير المنصوص عليه بالفصل 56 " علما وان الفصل 56 في صيغته القديمة يحتوي على تحجير وحيد هو منع تحمل نفس المسؤولية لأكثر من فترتين متتاليتين .

رابعا :في الواجب المفروض على مجلس الهيئة بانتخاب عميد سد الشغور .

حيث أن إفتراض و قبول تعدد القراءات و الإجابات عن المشكل المطروح المتمثل في شروط الترشح لعمادة سد الشغور لا بد أن يتم ربطه مع الصلاحية المحمولة بل المفروضة على مجلس الهيئة الوطنية للمحامين و المتمثلة في قيامه دون آجال بانتخاب عميد سد الشغور ، فكان من الواجب على المجلس أن يتبنى فهما ما للمشكل المطروح صراحة أو ضمنا ، و يقوم على أساس ذلك الفهم بانتخاب عميد الشغور و هذا ما حصل فعلا بجلسة 05-01-2012 إذ تقدم مترشحون لمنصب العمادة و طرح نقاش حول فهم النصوص و حسم النقاش بالوسيلة الوحيدة الممكنة لحسم الخلاف داخل المجالس وهي التصويت على اختيار من ترشح بما يعني تبنيا لموقف ما في فهم شروط ذلك الترشح .

و حيث أن ما قام به المجلس هو من صميم صلاحياته التي عليه ممارستها و ليس له التخلي عنها أو التفصي منها بل إن تخليه أو تراخيه في قيامه بهذا الواجب هو الذي يعد خطأ .

خامسا : في طبيعة الرقابة الممنوحة لمحكمة الجناب عند النظر في الطعن المقرر بالفصل 74 من المرسوم.

حيث أن الفصل 74 من المرسوم عدد 79 لسنة 2011 يفتح الباب للطعن في قرارات المجلس غير التأديبية أمام محكمة الجناب ( المقصود هو الطعن بالاستئناف و ليس إيقاف التنفيذ ) ، وهو الطعن المحكوم بالمنطق العام الذي يسير عليه الطعن في مقررات الهيئات المهنية باعتبار تلك المقررات ذات طبيعة إدارية كما تواضع الفقه على اعتبارها[3] ، وهو الذي اعتبر أيضا أن على القاضي العدلي عند النظر في الطعون الموجهة لمقررات الهيئات المهنية أن لا يبتعد عن معاملتها طبقا لطبيعتها ، وهي المعاملة التي تقصر نظر القاضي على مراقبة الشرعية دون الملائمة و هنا يبرز الاختلاف بين النظر استئنافيا بروح القانون العدلي ففيه آثار الاستئناف التقليدية و منها المفعول الانتقالي الذي يفتح الباب لاجتهاد قاضي الاستئناف بأن يمنحه حق نقض الاجتهاد الصادر عن قاضي الطور الابتدائي ... و النظر استئنافيا بروح القانون الإداري و فيه لا يغير الاجتهاد باجتهاد إذا يقتصر نظر القاضي على المشروعية أي على البحث في أحقية مصدر القرار في إصداره و في إتباعه الإجراءات القانونية عند اتخاذه .

3/ الخلاصة : في شرعية قرار مجلس الهيئة الوطنية للمحامين المتخذ بجلسة 05-01-2012 .

حيث يترتب عن كل ما سبق توضيحه أن مجلس الهيئة الوطنية للمحامين قد اتخذ قراره طبقا للصلاحيات التي منحها إياه نص القانون في احترام لإجراءات اتخاذ القرار ، و أن المجلس قد اجتهد في فهم النص طبقا لطبيعته بما يتجه معه اعتبار قراره شرعيا و أن لا وجه لإيقاف تنفيذه .



[1] محمد محفوظ : استئناف مقررات الهيئات المهنية ، ضمن أعمال ملتقى "الاستئناف" بكلية الحقوق و العلوم السياسية بتونس من 18 إلى 20 ماي 1989 ص 289 و ما بعدها .

[2] نفس المرجع السابق صفحة 299 .

[3] المرجع السابق ص 289 و ما بعدها .

06‏/01‏/2012

الاستاذ شوقي الطبيب عميد المحامين التونسين

اثار انتخاب الاستاذ شوقي الطبيب عميدا للهيئة الوطنية للمحامين سدا للشغور الحاصل في خطة العميد وذلك للمدة المتبقية من الدورة الحالية 2010/2013 نقاشا بين المحامين تابعت منه النزر القليل واستغربت اللغط الصادر عمن يفترض انهم محترفي قانون فسمعت آراء غريبة لا يحكم معارفها وتأويلاتها سوى حقدها على الاستاذ شوقي الطبيب العميد الشرعي القانوني المنتخب وفق القانون فكان تعامل الخائضين في هذه المسألة يتّسم باستبعاد أبسط قواعد التأويل وهو تطور النص تاريخيا وقد لاحظت انّ كل من تصدى للتأويل تعامل مع احكام الفصل 60 وكأنها احكام جديدة لم يأت بها سوى المرسوم عدد 79 والحال ان الفصل 60 هو نفسه الفصل 59 من قانون 89 المنظم للمهنة المحاماة ولو تحمّل اي خائض في هذه المسألة عناء قراءة الفصل 60 قديم لتمكن من فهم الفصل 60 واظن ان اصحاب العباءة السوداء سيطلعون على احكام الفصل 59 قديم قبل الخوض في مسائل واضحة لا تتطلب اي تأويل . لذا رجاء ان لا يتعامل المحامون مع تاويل الفصل 60 جديد وكأنه مؤسسة جديدة او فكرة جاء بها المشرع الجديد او حالة كانت غير منظمة وثغرة من ثغرات القانون القديم سدها المرسوم الجديد
هذه دفعة على الحساب والبقية ستكون عند تحرير الكتاب .
الاستاذ ذاكر العلوي في 6 جانفي 2012

11‏/12‏/2007

هل يجوز تغيير الجنس في القانون التونسي

صدر بتاريخ 12 فيفري 2007 حكم عن المحكمة الابتدائية بقفصة في القضية عدد 54406 كان محور نقاش في الاوساط القانونية بمدينة باجة موضوعه نشر احد الزملاء لقضية شخصية في طلب الحكم بتغيير جنس مولود من انثى الى ذكر جاء به ما يلي : الحمد لله باسم الشعب التونسي
اصدرت المحكمة الابتدائية بقفصة المنتصبة للقضاء في مادة الاحوال الشخصية بجلستها العلنية العمومية المنعقدة يوم الاثنين 12 فيفري 2007 برئاسة السيد الهادف عبد القادر وعضوية القاضيين السيدين توفيق سويدي وشلبية الزعباني الممضين اشفله ومساعدة كاتب الجلسة السيدة خولة العلاقي الحكم الاتي بيانه بين
المدعي ....... محل مخابرته مكتب نائبته الاستاذة حبيبة ابراهيم الكائن كوليزي الشاهد مجاز الباب ولاية باجة
والمدعى عليه : الحق العام
بمقتضى عريضة الدعوى المبلغة للمدعي عليه في 3/01/2007 بواسطة العدل منفذ بقفصة السيد البرني قوادر تحت عدد 26842 ولمتضمنة التنبيه عليه بالحضور بالجلسة ليوم 29/01/2007 على الساعة التاسعة صباحا للنظر في الدعوى المرفوعة ضده والاتي بيانه
موضوع الدعوى
يعرض المدعي انه انجب طفل ولد بالمستشفى الجهوي بقفصة في 31/07/2006 ووقع التصريح بولادته لدى بلدية قفصة واقيم له رسم ولادة وقد وقع التصريح عند الولادة بان الطفل من جنس الاناث واطلق عليه اسم سكيينة كما هو ثابت بمضمون الولادة المرفق لعريضة الدعوى وقد تبين ان الطفل يعاني من مرض غموض الجنس بشكل التبس لدى الطبيب عند الولادة ان كان ذكرا او انثى استوجب اخضاعه لعديد الفحوصات والتحاليل الطبية والعلاج بمستشفى الاطفال بتونس انتهى الطبيب المعالج ان الطفل من جنس الذكور وليس الاناث من الشهادة الطبية المسلمة من الدكتورةسلوى مقنى مؤرخة في 25/12/2006 وعلى ذلك الاساس فهو يطلب الحكم بثبوت ان جنس الطفل هو ذكر وليس انثىوالاذن لضابط الحالة المدنية بلدية قفصة باصلاح رسم ولادة الطفل سكينة ... بما صوابه وان جنسه ذكر وليس انثى واحتياطيا الاذن بعرض الطفل على الاختبار الطبي لتحديد جنسه ثم الحكم على ضوء نتيجة الاختبار بتغير جنس الطفل من انثى الى ذكر
الاجراءات
وبموجب ذلك رسمت القضية بالدفتر المعين لنوعها تحت عدد 54406 واذن بنشرها بالجلسة المبين تاريخها بالطالع وبها حضرت الاستاذة خلف الله في حق زميلتها ابراهيم وتمسكت
اثر ذلك تقرر حجز القضية للمفاوضة والتصريح بالحكم بالجلسة المبين تاريخها بالطالع وبها وبعد المفاوضة القانونية صرح علنا بما يلي :
المحكمة
حيث كانت الدعوى تهدف الى ما سبق بيانه
وحيث ادلى المدعي برقيم استدعاء للجلسة مع تقرير اختبار طبي محرر من طرف الحكيمة سلوى مقني مؤرخ في 25/12/2006 ومضمون ولادة عدد 2019 لسنة 2006
وحيث بالاطلاع على موضوع الطلب ومؤيداته وخاصة منها تقرير الاختبار الطبي المشار اليه تسرب خطا بخصوص الحالة المدنية في خصوص جنسه اذ تم تسجيله على انه يدعى سكينة من جنس الاناث بناء على عدم ظهور ملامحها البدنية والجنسية كما ينبغي في البداية وبعد ذلك وبعد ان قام الاطباء باجراء عملية تجميلية عليه دون ان تكون تعلقت بتغيير جنسه تاكد بشكل تام انه ذكر وبالتالي واستنادا الى احكام قانون الحالة المدنية المؤرخ في غرة اوت 1957 والى ما تقدم بسطه فقد اضحى الطلب وجيها واتجه الحكم لصالحه وذلك باصلاح رسم الولادةعدد 2019 لسنة 2006 في خصوص الجنس بما صوابه ان جنس المولود ذكر
وحيث تحمل المصاريف القانونية على المدعي تطبيقا لمقتضيات الفصل 128 م م م ت
ولهذه الاسباب
قضت المحكمة ابتدائيا باصلاح رسم ولادة المقام في حقه صاحب رسم الولادة عدد 2019 لسنة 2006 بما صوابه بان جنسه ذكر عوضا عن انثى وذلك في باب جنس المولود والاذن لضابط الحالة المدنية ببلدية القطار بالتنصيص على ذلك بدفاتر المخصصة لذلك وحمل المصاريف القانونية على المدعي
وقد صدر هذا الحكم على عين من ذكر وتلي بالجلسة العمومية اعلاه
وبموجب ذلك امضي هذا الحكم

لفهم هذا الحكم والاطلا ع على موقف المحاكم التونسية من مسالة تغيير الجنس لا بد من اعادة تبسيط الوقائع والتي تتمثل في ولادة مولود لم تكن معالم جنسه واضحة حتى حقق الطبيب الذي تولى توليد الام ان جنس المولود هو انثى وسلم بناء على ذلك شهادة طبية تفيد حصول الولادة وهذه الشهادة هي الاساس المعتمد في التصريح بالولادة واختيار اسم المولود وهي الاساس في تقييد المولود بدفاتر الحالة المدنية عندها يصبح للمولود وجودا قانونا بما يتترب عن ذلك من نتائج
وبعد مدة وجيزة بدات معالم غريبة تظهر بالجهاز التناسلي للمولود خلقت شكا حول طبيعة جنسه اهو من الذكور او من الاناث دون يحسم ذلك الامر بصفة قطعية الامر الذي دفع اهل المولود الى اجراء عديد التحاليل الطبية للتاكد من جنس المولود وبعد اشهر تحقق الاهل بموجب اختبارات طبية ان جنس المولود هو ذكر وليس انثى فكان الاشكال اولا في طبيعة الدعوى وموضوعها للوصول الى اصلاح رسم الولادة وقد سبق ان استند ذلك الرسم على شهادة طبية حققت جنس المولود وكانت سببا في اختيار اسم اناث اسند اليه ففي نظر القانون ولد هذا المولود انثى ثم تغيرت طفاته الجنسية ومالت نحو الذكورة ولا يمكن تجاوز هذه المعضلة الا اذا تم التسليم بكون المولود ولد ذكرا وتسرب خطا في تحقيق الجنس فمحاولة الحصول على حكم في تغيير الجنس هي من المسائل الشائكة في القانون التونسي وجميع قوانين البلدان العربية وحتى غير العربية وغير المسلمة لما لذلك من اثر على استقرار الوضعيات القانونية
ان هذا الاشكال و الابتعاد عند تحرير الطلب عن لفظ تغيير الجنس كان محددا في النزاع المرفوع من الطالب حتى انه عندما حرر طلباته النهائية بتغيير جنس الطفل من انثى الى ذكر تجاوزتها المحكمة واكتفت بالتحرير المبدئي للدعوى وهي ثبوت ان جنس المولود ذكر وليس انثى وان المسالة تعلقت بغلط حسي في التصريح
لا شك ان قانون الحالة المدنية التونسي المنظم بالقانون عدد 3 لسنة 1957 المؤرخ في غرة اوت 1957 لم يتناول مسألة تغيير الجنس لما لهذا القانون من تعلق بالرشع الاسلامي من ذلك ان اسناد اللقب انبنى على اعتبار ان الابن يدعى لابيه وبني على قاعدة بنونا بنو ابنائنا وبناتنا بنوهن ابناء الرجال الاباعد ومنها ان جنس المولود يتحدد بتحديد الجنس عضويا وذلك من قبل اهل الخبرة " الاطباء " وبناء على العلامات الظاهرة والاعضاء التناسلية الظاهرة 
ان القول بكون قانون الحالة المدنية اعتمد الشرع الاسلامي في اسناد اللقب وتحديد السلسلة النسبية وغيرها فانه لم يتناول وضعية الجنس غير الظاهر او وضعية الخنثى مثلا 
والجدير بالتذكير ان الفقه الاسلامي تناول مسألة الجنثى وكان اكثر جرأة من القانون الوضعي فقد اثر على النبي عليه الصلاة والسلام  ان عرضت عليه وضعية الخنثى ومدى تحديد نصيبه من الميراث فقال انظروه من حيث يبول 
ان المحكمة الابتدائية بقفصة توخت طريقة ذكية من خلال هذا الحكم  فتحاشت الحديث عن الخنثى كما تحاشت الحديث تغيير الجنس وحاولت حسم الطلب المعروض عليها في اطار قانون الحالة المدنية جازمة ضمنا بان لا وجه للحديث عن فراغ تشريعي في تناول وضعية الخنثى او تغيير الجنس فتناولت المسألة على اساس انها لا تتعدى خطأ حسيا في تحديد جنس المولود وقضت باصلاح رسم الحالة المدنية 
ان لهذا الحكم مدلولات قانونية بقيت معلقة وربما تحاشت المحكمة الخوض فيها اعتبارا الى الوقائع المعروضة عليها ومنها قصر المدة بين الولادة والاصلاح وعدم ظهور اي عارض خلال تلك المدة فالاشكال يثور اذا حدث عارض بين تاريخ الاصلاح وتاريخ الولادة من ذلك مثلا موت مورث تلك البنت او ذلك الولد فما هو نصيبه من الارث وهل يقع اصلاح نسبته من الارث اذا ما فتحت التركة قبل الاصلاح 
ان اشكال رجعية حكم الاصلاح بقيت قائمة ولم تبت المحكمة في تلك الوضعية ومدى تاثريها على الحقوق المكتسبة عل التركة مثلا 
ربما تنتظر ان يعرض على المحاكم التونسية وضع آخر فيه اكثر تعقيدات يجبرها على الخوض في تلك المسائل 


18‏/10‏/2007

تعليق على حكم استعجالي عدد 11062 الصادر في 3/10/2007

صدر عن السيد رئيس المحكمة الابتدائية بباجة حكما في المادة الاستعجالية يقضي برفض المطلب هذا نصه
موضوع الدعوى
يعرض المدعي انه في تسوغ المدعي عليهم من عبد العزيز ومورث المدعين المرحوم محمد جميع 4 هكتارات و11 آرا على الشياع من قطع ارض كائنة بهنشير بعمادة بوحزام ولاية باجة وذلك لمدة 3 سنوات نهايتها حرثية 2006/2007 اي الى نهاية شهر اوت 2007 مثلما يتضح ذلك من نسخة العقد الرابط بينهما وقد تصرف المطلوبون في ارض التسويغ مدة الكراء وبموجب محضر تنبيه عدد 2740 موجه للمطلوبين بواسطة عدل التنفيذ بتاريخ 28/03/2007 انهى المدعون الكراء للمطلوبين طالبين منهم اخلاء العقار بنهاية التسويغ اي في موفى شهر اوت 2007 وتسليمه للمدعين شاغرا من كل الشواغل ونظرا الى ان التنبيه لم يات بنتيجة واستمر المدعى عليهم على المكوث بارض التسويغ وذلك منذ نهاية التسويغ اي نهاية شهر اوت الى الان ونظرا الى ان المدعين يرومون استغلال الارض لخاصة انفسهم لهذا الموسم ومكوث المدعى عليهم بالعقار قد يفوت عليهم الموسم الفلاحي الحالي خاصة وان الفلاحين يستعدون للحرث لذلك يطلب المدعون الحكم استعجاليا بالزام المدعي عليهم بالخروج من المكرى موضوع التسويغ المسجل بقباضة باجة المالية في 18/08/2007 لانتهاء المدة وتسلميه شاغرا من كل الشواغل والاذن بالتنفيذ على المسودة
الاجراءات

وعند النداء على القضية بالجلسة المبين تاريخها بعريضة الدعوى حضر المدعي عليهما الطيب وكمال ولم يحضر من عداهما واوضحا انهما لا يمانعان في ارجاع الارض موضوع التسويغ على انها ما زالت على الشياع مع بقية المستحقين
وتمسك محام المدعين بالدعوى فقررت المحكمة حجز الملف للتامل والتصريح بالحكم بجلسة الطالع وفيها وبعد التامل صرح علنا بالحكم الاتي نصه 
المستندات 

حيث تهدف الدعوى الحكم استعجاليا بالزام المدعي عليهم على الخروج من الارض موضوع عقد التسويغ الرابط بين الطرفين وذلك لانتهاء المدة
وحيث حضر المدعي عليهما الطيب وكمال ولم يمانعا في الدعوى واوضحا ان الارض على الشياع مع معاقديهما وبقية المطلوبين
وحيث لم يحضر بقية المطلوبين وبلغهم الاستدعاء كما يجب قانونا وتعين مواصلة النظر في القضية في حقهم طبقا لاوراقها
وحيث تضمن عقد التسويغ المحتج به انبرامه لمدة 3 اعوام بدايتها حرثية 2004/2005 وينتهي في شهر اوت 2007
وحيث اتضح من التنبيه المحتج به لانهاء التسويغ محرر من عدل التنفيذ في تاريخ 28/03/2007 والمتضمن طلب انهاء التسويغ في موفى شهر اوت 2007
وحيث اقتضى الفصل 819 م ا ع ان الاعلام بالخروج يلزم ان يكون قبل انقضاء ستة اشهر على الاقل
وحيث ان التنبيه مثل خرقا للقاعدة المذكورة ويوجب تسليط حكم ارفض ذلك ان عدم ممانعة بعض المطلوبين في الدعوى لا يلزم بتقديم الذين تخلفوا عن الحضور
ولهذه الاسباب
قضينا استعجاليا برفض المطلب
انتهى نص الحكم

ان هذا الحكم رغم بساطته يثير عديد الاشكالات القانونية التي لا تظهر الا بتنفيذه او الاحتجاج به زيادة على اثارته ضمنيا لعديد المسائل القانونية المتعلقة بالاجراءات وعلى وجه التحديد سلطة المحكمة في ادارة النزاع وبسط ادلتها ومناقشة مستندات الخصوم والمواجهة المفترضة بين الخصوم كما انه حكم تصدت فيه المحكمة لخلق آثار تتنافى ورغبة الخصوم . ومركز التحليل في هذا الحكم هو البحث في اشكالية بطلان التنبيه على معنى الفصل 819 مجلة الالتزامات والعقود ومدى احقية المحكمة في اثارته من تلقاء نفسها كعدم حضور المطلوب والتصدي من المحكمة لاثارة دفوعات لم يثرها المطلوب بما يجعل هذا الحكم يستوقف الدارس لجملة من القوانين التونسية سواء المتعلقة بالاجراءات وادارة النزاع من المحكمة وتطبيق احكام الفصل 12 م م م ت واحضار حجج الخصوم او اثارة المحكمة من تلقاء نفسها لاجال مبطلة او مسقطة لم يثرها الخصوم كدراسة القانون المتعلق بالكراء الفلاحي ولاني اريد ان اتناول جميع هذه المواضيع جملة فاني لن
اتقيد صلب هذا التعليق بالقواعد الاكاديمية الت يتحكم المقالة القانونية تخطيطا وتحريرا

ما من شك في كون الاحكام الاستعجالية هي احكام قضائية انشائية كانت او تصريحية تريم الى حسم النزاع الدائر بين طرفي القضية الاستعجالية وذلك تطبيقا لاحكام الفصل 2 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية الذي ينص على كومه تنظر المحاكم التونسية في النزاعات
وكلمة نزاعات تفترض ان المحكمة لا تتعهد الا في اطار نزاع اي تضارب مصالح او حقوق بين شخصين او اكثر مما يخرج عن نطاقها جميع الوصعيات المشابهة مثل اختلاف الراي او التناقض في المواقف الذي لا ينتج عنه نزاع وغيرها من حالات التعارض المشابهة فالقاضي هو الحكم في نزاع وكل ما يعرض عليه يفترض ان يكون نزاعا واجب الحسم
ويعلم المتتبع للقانون التونسي ان المشرع التونسي اختار النظام الوجاهي في الاجراءات المدنية وفرض على القاضي حيادا راى بعض الشراح انه حياد سلبي تطور ليكون حيادا ايجابيا بعد تنقيح الفصل 12 من مجلة المرافعات المدينية والتجارية وراى فيه بعض شراح القانون الاخرين انه حياد اختياري للقاضي ان يتبناه وان يتصدى للمنازعة ويساهم في احضار البينات والادلة لارتباط مهمته بتمثيل الدولة في البحث عن الحقيقة الموضوعية وله ان لا يقتصر على ما يدلى اليه من الاطراف المتنازعة من ادلة وبراهين ومسالة حياد القاضي تثير اشكاليات كلما تعلق الامر بالاجال سقوط الحق بمرور الزمن فهل تتمسك المحكمة نيابة عن الخصوم بآجال مسقطة خارجة عن الاجال الاجرائية مثل اجل القيام واجل الشفعة واجل رفع الدعوى الشغلية واجل الطعن وغيرها مما يتصل بالاجراءات ولا باصل الحقوق فبقية الاجال مثل اجل سقوط الحق او اجل سقوط الحق في المطالبة هي آجال نص المشرع التونسي صراحة صلب الفصل 385 من مجلة الالتزامات والعقود على ان حق مرور الزمان لا يقوم بنفسه في سقوط المطالبة بل يقوم من له مصلحة فيه وليس للحاكم ان يستند اليه من عند نفسه حتى يقوم به الخصم
والخلاف يبقى قائما في خصوص تصدي المحكمة لمدى اخترام بعض الاجل ومنها اجل التنبيه بالخروج من مكرى فلاحي والذي يفترض احترام اجل الستة اشهر قبل نهاية العقد وهل يقوم هذا الاجل بنفسه فيثيره القاضي من تلقاء نفسه وهو يعتبر القاضي ان النزاع يبدأ من تاريخ التنبيه وهل تقوم سلطته في مراقبة تلك الاجراءات وما هو مدى حياد القاضي 
ربما ذهب السيد رئيس المحكمة الابتدائية بباجة الى كون انتصابه كقاضي استعجالي ينظر في مسائل وقتية لا تمس من اصل الحقوق هو ما دعاه الى التصدي للاجراءات والى مدى احترام آجال التنبيه 
لو كانت الاجابة مثلما قدمنا لكان على القاضي التصريح بذلك دون عناء التقديم لغياب احد الاطراف وافتراض انه كان بامكانه التمسك بذلك الدفع لو حضر فكان الخطا في انشاء مبدا جديد مفاده ان القاضي يمكنه افتراض الدفوعات التي قد تقدم او قد يتمسك بهاالخصم لو حضر واجاب فكانت النتيجة ان القاضي تخلى عن الحياد مطلقا ووسع حتى من الحياد الايجابي  

31‏/07‏/2007

مقدمة لبيان اهداف هذه المدونة

كثيرا ما يتحدث العاملون في المجال القانوني عن الاختلاف بين النص والتطبيق ، وكون القضاء ينأى في بعض الاحيان عن النص القانوني بان يوجد تاويلا للنصوص تجعل تلك النصوص اقرب للواقع : فالنص جامد والحالات التي تعرض على القضاء متعددة ومختلفة باختلاف اوضاع الناس وباختلاف الوصعيات ،غير ان القائل بمثل ذلك يؤكد كلما تبنى هذا الموقف ان القضاء لا يمكنه الغاء وجود نص قانوني فالمسالة تتعلق بالتاويل ولا بالتشريع وهي روح التفريق بين السلط .
ولا يمكن لأحد ان ينكر ان القضاء ساهم في خلق مؤسسات قانونية لم تكن موجودة في محاولة منه لملىء الفراغ التشريعي او لتظييق نصوص واسعة او لتوسيع احكام ضيقة وهو امر محمود في جوهره ومطلوب في غاياته غير انه ولئن لم يثر هذا التمشي للقضاء اي مشكلات في الانظمة القانونية التي تعتمد السابقة القضائية كمصدر "تشريعي" فان الامر في القانون التونسي يختلف . فالتشريع هو المصدر الاصلي والاساسي للقانون وكثرة التشاريع التونسية وتعددها هي ما ساهم في خلق ثغرات وحالات يمكن وصفها بالاخطاء الشائعة في التطبيق قد يكون سببها كثرة التشريعات الاستثنائية التي طغت على التشريعات المبدئية فالكراء مثلا في القانون التونسي تحكمه مجلة الالتزامات والعقود وهي التشريع المبدئي الذي يحكم العلاقات المدنية في مجملها وينظم العقود في مجملها وتحكمه الى جانب ذلك عديد التشريعات الاستثنائية جاءت بها قوانين مثل قانون 1976 الذي يحكم العلاقة بين المالك والمتسوغ لمحلات السكنى والحرفة وقانون 1977 الذي يحكم العلاقات بين المالكين والمتسوغين للمحلات التجارية وقانون 1986 الذي يحكم العلاقات بين المالكين والمستوغين للعقارات الفلاحية كما انه توجد تشريعات تحكم كراء الاراضي الفلاحية الراجعة ملكيتها للدولة وتشريعات خاصة بكراء املاك الدولة عموما وغيرها
لا شك في ان كثرة الاستئناءات تذيب المبدا ويتطلب من دارس القانون اكثر انتباها واكثر دراية بالقوانين الاستثنائية وتجعل من غير الدارسين للقانون اي الشخص العادي مثلا جاهلا بالقانون حتى بابسط القواعد الت يتحكم علاقاته اليومية
ثم ان تدخل غير المختصين في التاويل وشرح القانون او حتى عرضه وبسطه ساهم في انشاء فصيلة من القواعد الخاطئة التي تقترب من مرتبة القوانين الآن فالغلط الشائع يقوم مقام القانون حتى اصبحنا نسمع عن مبادىء قانونية هي ابعد ما يكون عن القانون نفسه. مثل لا يعذر جاهل بجهله للقانون ومثل العقد شريعة المتعاقدين وهي كلها مبادىء اهملت النصوص التي اقرتها وضبطت شروطها فجهل القانون لا يكون عذرا في ارتكاب ممنوع او في مالا يخفى حتى على العوام وليس الامر على اطلاقه ابدا وما انعقد على الوجه الصحيح يقوم مقام القانون بين طرفيه ولا يمكن الاحتجاج بعقد باطل ابدا بمقولة ان العقد شريعة المتعاقدين وغيرها من الاخطاء الشائعة

ولعل احسن طريقة لتجاوز هذا الاشكال - ان كان هناك اشكال اصلا - هو تتبع الاحكام القضائية ومحاولة التاصيل لها قانونيا بان يرجع كل حكم حكم الى اصله القانوني ومقابلته به وهذا ما دفعني الى اختيار هطا الاسلوب اي خلق مدونة الكترونية مفتوحة على جميع الدارسين للقانون لخلق منبر يساهم في التاصيل للقانون التونسي وجعله اكثر دقة
وقد لوحظ خلال التسعينات وبداية هذا القرن ابتعاد حتى من احترف القانون عن الرجوع الى النصوص حتى انك تواجه في بعض الاحيان عرائض دعوى بطول صفحتين او اكثر لا تتضمن اي نص قانوني كما لا تستغرب اذا اطلعت على نسخة حكم مدني لا تجد به من نصوص القانون غير الفصل 128 م م م ت لتحميل مصاريف التقاضي بحيث لا تجد في اغلب تلخيصات الاحكام غير النصوص الاجرائية ولا يقع ارجاع مؤسسات القانون الى اصولها ولا يوضع النزاع في اطاره فتفشى هذا الاسلوب حتى بين المحامين وصارت عرائض الدعوى سردا مملا لوقائع
حسب رائي السبب هوالافراط في تبنى مبدا الحياد الاجابي للقاضي ومقولة ان القاضي يعهد بالوقائع " اعطني وقائع اعطيك قانون "
ان الافراط في اعتماد هذين المبدئين يفرغ القانون منكل فائدة ومن اهم وظائفه وهو المساواة والعدل فالقاضي قد يلغي الاجراءات مثلا لصالح اصل الحقوق وهذا امر محمود في ظل قانون عرفي او قضاء شرعي يقوم على اجتهاد القاضي فحسب ولا يكون الامر بنفس الفائدة في ظل قانون مكتوب ونصوص منشورة اعلمت المخاطبين بها مسبقا عن نتائجها